من الفكرة إلى التنفيذ: "غايد" تعيد تعريف تجربة العمارة
:GroupGuide مجموعة هندسية تأسست في الرياض عام ،2020 تجمع بين التصميم و التنفيذ تحت سقف واحد، لتقدّم حلولا ً معمارية متكاملة ترتكز على الجودة والتجربة الإنسانية. تضم شركة GUIDE نخبة من المهندسين بقيادة المهندسة دانا يوسف والمهندس غيث شحادة،وتتميز برؤيتها الواسعة التي تربط بين الإبداع والاستثمار. تعمل الشركة في مجالات التصميم المعماري والداخلي والمقاولات والتصنيع عبر مصنعها الخاص. وتسعى لتكون دليلاً في عالم العمارة الحديثة، حيث يلتقي الحس الجمالي بالدقة التنفيذية ضمن رؤية تطويرية تواكب التحول العمراني في المملكة العربية السعودية ورؤية .2030


المكان والتاريخ: لقاء افتراضي جمع دمشق والرياض - تشرين الأول 2025
نرحب بكم أستاذة دانا وأستاذ غيث، رحلتكما مليئة بالإنجازات، هل يمكن أن نبدأ بالتعريف عنكما مهندسة دانة ومهندس غيث؟
م.غيث: أنا مهندس معماري خريج جامعة القلمون عام ،2011 الرئيس التنفيذي لشركة GUIDEوحاصل على الإقامة المميزة في المملكة العربية السعودية. كما أننّي أقوم بعدة استثمارات ضمن شركات تابعة لمجموعة GUIDE، مثل مصنع خشب خاص بالمجموعة، وغيرها.
م.دانا: بدايةً أودُّ أن أقدّم لكم ألف تحية على كل ما تقومون به. أنا أعرف مجلة Two Twentyمنذ بدايتها عام ،2013 كنت حينها في سنتي الأخيرة بالجامعة، وكانت فكرة المهندس سامر مطر أن تتكون المجلة من 22 مهندساً ينشرون أعمالهم في اليوم 22 من كل شهر، وكنت أنا تقريباً الشخص الخامس الذي انضم إليها من أصل 22 شخصاً. أتذكر تماماً المجهود الذي كنّا نبذله، وأقدر تماماً ما تقومون به الآن،خاصة أنه لم يكن هناك مقابل مادي، بل اكتسبنا مهارات فقط.
أنا خريجة جامعة دمشق ، 2014 وحصلت بعد التخرج على ماجستير في التصميم المعماري، وكنت الأولى على دفعتي لمدة ثلاث سنوات. أكملت الماجستير تحت إشراف الدكتور جمال الأحمر، وفي نفس
الفترة عملت في دمشق تقريباً لمدة سنتين أو ثلاث، حيث عملت في المساعدات الإنسانية مع الصليب الأحمر السويسري، وكذلك مع منظمة Creative Oxford البريطانية الإنسانية. خلال هذه الفترة
حصلت على شهادة الماجستير بالتصميم المعماري، ثم حصلت على منحة من منظمة سعيد، وأنجزت ماجستيراً فيEngineering Design Environmental” “Sustainable بجامعة UCL في لندن،
وبقيت هناك حوالي أكثر من سنتين.
انتقلتُ لاحقاً إلى الرياض وبدأت الشراكة مع المهندس غيث، الذي سبقني في مجال الاستثمار في
المملكة العربية السعودية. في البداية كان لكل منا رؤية مختلفة داخل الشركة، ومنذ 2020 بدأنا في إعادة تشكيل مجموعة GUIDE، التي تعمل في التصميم المعماري والداخلي، وهي شركة مؤهلة من هيئة المقاولين، تشمل مقاولات، تنفيذ، واستشارات هندسية. حالياً أنا المدير العام للشركة، بالإضافة إلى كوني رئيسة قسم التصميم.
بالتأكيد مهندسة دانا هذه التنقلات ساهمت في تشكيل خبرتك وصقلت شخصيتك. هل يمكن أن تتوسّعي في الحديث عن رحلتك إلى لندن، وتجربتك في التطّوع مع الصليب الأحمر، ومنحة سعيد؟
م.دانا: يمكنني القول إنّ كلّ مرحلة من المراحل التي مررتُ بها كانت تحمل في طيّاتها
تحدّيات ومخاوف مختلفة، وفي المقابل مهارات جديدة اكتسبها في كلّ تجربة. كان لكلّ مكان بصمته الخاصة، لكن هناك عامل مشترك يجمع بينها جميعاّ، وهو الإصرار.
الدراسة و العمل في سوريا، في ظلّ الظروف الصعبة التي مررنا بها، كانا تحدّياً كبيراً لكلّ من يسعى للاستمرار والنجاح. ربما كان ذلك أكبر اختبار بالنسبة لي، أن أتمكّن من المثابرة والتفوّق رغم كلّ ما كان يحيط بنا. واليوم، ومع تحسّن الأوضاع، أصبح الأمل أكبر لدى الجميع.
كنت دائماً شغوفة بالتعرّف على وجهات نظر مختلفة حول العالم سواءً في أوروبا، أو أمريكا،
أو الخليج لأفهم كيف يعمل الآخرون، وكيف يدرسون ويتطوّرون. هذا الفضول دفعني للتقدّم منحة سعيد. إلى عدّة منح، من بينها “منحة تشيفنينغ” و”منحة سعيد”، وقد وفّقني الله بالحصول على منحة سعيد في لندن،ما كان يميّز التجربة هو مدى تركيز الأوساط الأكاديمية والمهنية على المحاور البيئية
في العمارة والهندسة، وهو ما جعلني أوجّه اهتمامي نحو هذا الجانب أكثر. أمّا في الخليج البيئة مختلفة تماماً،يغلب عليها الطابع الاستثماري والمنافسة الكبيرة، لكنّها في الوقت ذاته بيئة محفّزة تدفعك لبذل المزيد والعطاء أكثر.
العنصر المشترك بين جميع هذه التجارب هو الإصرار، والجدّية، والقدرة على تحمّل الضغوط، و الاستمرار بثقة مهما كانت الظروف
مهندس غيث أنت شريك في شركة GUIDE، فما سبب اختيار هذا الاسم؟ وكيف بدأت فكرة تأسيسGroup Guide بينك وبين المهندسة دانة؟
م.غيث: الاسم كان ثمرة تفكير مشترك بيني وبين المهندسة دانة. كنا نبحث عن اسم واسع وقابل للتوسّع، لا يقتصر على مجال واحد في التصميم أو التنفيذ فقط، بل يشمل الخدمات كافة التي نقدّمها. أردناه اسمًا يحمل معنى شاملا ً يعكس رؤيتنا في أن تكون الشركة دليلاً مرجعاً لكل من يهتم بالمجال المعماري والهندسي.
كان هدفنا أن يحمل الاسم بعداً أعمق من مجرد لفظ أو صدفة لغوية، وأن يجسّد فكرة الإرشاد والتوجيه في العمل الهندسي، وفي الوقت نفسه، جاء الاسم ليحمل بطريقة غير مباشرة أحرفاً من اسمينا، وهو ما أضفى عليه خصوصية وتميزاً.
مهندس غيث، هل يمكن أن تحدثنا كيف اخترت الشراكة مع المهندسة دانة، وكيف كانت رحلة تأسيس الشركة؟
م.غيث: أؤمن بأن أي شخص قبل أن يبدأ مشروعه الخاص يجب أن يكتسب خبرة عملية من العمل الوظيفي، بغض النظر عن الوضع المالي. السنوات الخمس الأولى من العمل تمنح المهارات والمعرفة اللازمة لتأسيس عمل مستقل. أنا قضيت هذه السنوات في شركة مقاولات، واكتسبت المعرفة والأدوات والخبرة، وبعدها أصبحت جاهزاً لفتح مشروعي الخاص.
عندما بدأت العمل الخاص، كان من الضروري أن تكون الشراكات نموذجية وتضيف قيمة حقيقية. المهندسة دانة كانت تتميّز بقدرتها على التنظيم وتحويل التخطيط إلى فعل عملي،
بينما كنت أنا مسؤولاً عن التخطيط العام وملاحظة الفرص. تكاملت مهاراتنا بشكل مثالي، حيث أضاف كل منّا ما يكمل نقص الآخر. ومن أهم معايير اختيار الشراكات أن لا يكون الشخص مشابهاً لك تماماً في طريقة العمل، بل أن يمتلك مهارات مختلفة تكمل بعضها البعض مع الإلتزام والجدية في الأداء.
بما أنكم اخترتم اسماً واسعاً للشركة، ما الذي يميّزكم عن باقي الشركات في السّوق السعودي ؟
م.دانا: في أي سوق بالعالم، إذا لم نفهم كيفية عمل هذا القطاع، لن نستطيع النجاح فيه. وفي السّوق السّعودي لاحظنا وجود فجوة بين التصميم والتنفيذ. صحيح هناك شركات استشارية ومقاولون ينفذون التصميم، لكننا لم نجد شركة تقوم بالتصميم والتنفيذ معاً بشكل متكامل. لذلك ركزّنا على تقديم هذين القسمين بكفاءة وجودة عالية داخل شركتنا نفسها، لضمان تكامل العمل وتحقيق نتائج أفضل
بعد أن عرفتمونا بشكل جيد على الشركة وخدماتها في التصميم الداخلي والخارجي و المقاولات، ما الذي يجعل العملاء يفضلون التعامل معكم؟
م.غيث: الحمد لله، كل قطاع نعمل فيه أصبح يُحدث تأثيراً ملموساً، على سبيل المثال، عند تصميم العيادات الطبية، لم نصممها فقط كعيادة، بل كان المفهوم الأساسي يرتكز على تجربة العميل؛ فبالإضافة للحفاظ على الوظائف الخدمية للعيادة، ركزنا على شعور المريض عند تصميم العيادات الطبية، لم نصممها فقط كعيادة، بل كان المفهوم الأساسي يرتكز على تجربة
دخوله للمجمع الطبي، وجعلناه تجربة فندقية متكاملة، مع الاهتمام بالاثاث والاستقبال. هذا النهج خلق تجربةVIP للعميل،وكانت نقلة نوعية في المجال الطبي بالرياض، وأصبح هذا الأسلوب ُيتبع من قبل الآخرين، فنحن نعيد تعريف مفهوم تجربة العميل.
هل يمكنكم التحدث عن مصنع الخشب الخاص بالشركة؟ وهل يعكس الطراز السوري في صناعة الخشبيات؟
م.غيث:هذا المعمل تم إنشاؤه استجابةً لحاجتنا في مجال التنفيذ، إذ لاحظنا أن بند الخشب يمثل جزءاً كبيراً من بنود التشطيب، مثل الأبواب والنوافذ والديكورات والتلبيس. كما لاحظنا أن السّوق يفتقر إلى الجودة والالتزام بالمواعيد، لذلك قررنا أن يكون لدينا تصنيع خاص يخدمنا ويخدم السّوق المحلي. أما بالنسبة للطراز، فنحن غير مقيدين بطراز واحد؛ نعمل على الطراز الأوروبي، السّوري أو أي طراز آخر، لنتمكن من تصنيع أي ديكور بشكل احترافي.
كيف يتم التوفيق بين التصميم والتنفيذ داخل الشّركة، وما التحديات التي تواجهونها وكيف يتم تجاوزها؟
م.دانا: كما ذكرت سابقاً، هذه التحديات هي ما دفعنا لتوفير كلا القسمين كخدمة متكاملة داخل الشركة. فعندما تُنفَّذ تصاميم معينة، قد تختلف على أرض الواقع بسبب تحديات التنفيذ، مايستدعي إعادة النظر في التصميم أو مراجعته من جهة استشارية للتأكد من دقته. ولكن عندما يكون التركيز متزامناً مع التصميم والتنفيذ معاً، يصبح بالإمكان التعامل مع أيّ تعديل أثناء التنفيذ مباشرة، مما يضمن الالتزام بالجودة والنتيجة المرجوة.
هل يمكن الحديث عن مشروع كان نقلة نوعية في مسيرتكم المهنية، وما الدروس المستفادة منه؟
م.دانا: دائماً هناك قطاعان في العمارة: القطاع السكني والقطاع التجاري. في شركتنا، لدينا قسم متخصص بالأعمال السكنية (فلل، شقق، قصور) وقسم للأعمال التجارية (مطاعم، مقاهي مجمعات تجارية، عيادات ومجمعات طبية)، وهذان القسمان هما الرئيسيان.
بالنسبة للقسم السكني، يمكن القول إن مشروعاً مكوناً من 25 فيلا كاملة بتصميم داخلي ،وخارجي وتنفيذ التشطيبات الكاملة، كان نقطة تحوّل مهمة، إذ بعده أصبح تركيزنا الأكبر على مشاريع المجمعات السكنية.
أما بالنسبة للقطاع التجاري والطبي، فإنّ المشروع الذي ذكرناه سابقاً، وهو أكبر مجمع طبي تجميلي بالرياض بمساحة 4000 متر مربع، كان أيضاً نقطة تحول، إذ أشرفنا على تصميمه وعلى تنفيذه. بعد هذا المشروع، تلقيت الشركة العديد من المشاريع في القطاع الصحي، و الفكرة حققت إعجاباً، سواء من المرضى أو زوار العيادات.



كيف تتعاملون مع السياق المحلي في الرياض من حيث المناخ والثقافة واللوائح التنظيمية عند بدء أي مشروع جديد؟
م.غيث :سأقسم الإجابة إلى شقين. الشّق الأول يتعلق بالقوانين الناظمة؛ فمثلاً بعض المناطق في الرياض خاضعة لكود وادي خليفة، ويتطلب الالتزام بالعمارة النجدية وعناصرها
في الكود. المعمارية والأنماط الخاصة بها. في هذه الحالة، يجب الالتزام بالقوانين والاشتراطات المحددة
أما الشّق الثّاني فهو يرتبط بشكل أكبر بتطلعات ورغبات العميل. في المناطق التّي لا تخضع لقوانين صارمة، يكون التصميم أكثر حرية وغير مقيد بأسلوب أو نظام معماري محدد، وهنا
يصبح فهم رؤية العميل أمراً أساسياً. فالنهج يعتمد على ما إذا كانت المنطقة محددة بالقوانين أو غيرمحددة، ومن ثم يتم التعامل معها بما يتوافق مع رؤية العميل.
هل تعتبرون القوانين الناظمة عائقاً أم محدداً للتصميم؟
م.دانا:لا ، بالعكس. إذا أردنا أن نقارنها بدمشق، فإن المناطق التابعة لوزارة الثقافة أو المناطق التقليدية مثل الشام القديمة لها شروط محددة لإعادة التأهيل أو الترميم. ذات الأمر ينطبق على بعض المناطق المرتبطة بالتراث في السعودية، حيث أن القوانين لا تشكل قيوداً، بل تعكس الهوية وتبرز جانباً معيناً من التصميم، بينما هناك أماكن أخرى تتسم بمرونة أكبر في التصميم .
هل وجود الأكواد يساعد في الوصول إلى العمارة الخضراء في التصميم؟ وهل الكود يمثل عائقاً أم مساعدة؟
م.دانا: إذاعدنا للكود السعودي، نلاحظ وجود العديد من الاشتراطات التي تهدف لتقليل الأثر البيئي السلبي، مثل اشتراطات العزل وأنواع البلوك المستخدم. كل هذه الاشتراطات يجب أن تكون مطابقة للكود، الذي يُطوُّر و يُعدل دورياً حسب الدراسات الجديدة، ويلزم الالتزام به. الكود يعطي الحد الأدنى من الالتزامات البيئية، لكنه لا يغطي الدراسات التفصيلية مثل احتياجات الطاقة لكل مبنى وكيفية تقليل الاستهلاك الطاقي. مع ذلك، الكود يعتبر جيداً مقارنة بالكودات في دول أخرى، لكنّه يحدد فقط الحد الأدنى لدراسة الأثر البيئي للمنشآت.
هل يؤثر الكود على الجوانب الجمالية والوظيفية للمبنى، وكيف؟
هذا لا يؤثر على المنتج النهائي من حيث الجماليات أو الوظيفة، لكنه يؤثر على تكلفة المواد،حيث تكون أعلى، دون التأثير على الوظيفة أو الشكل الجمالي للمبنى.



خلال عملكم بالشركة، ما هي أبرز التحديات وكيف تتعاملون معها؟
م.غيث: بالتأكيد، في كل مرحلة توجد تحديات، حتى قبل بدء المشروع. أحيانًا يُطلب تقديم عرض تسعير لمشروع خلال يوم أو يومين، وطبيعة العمل الهندسي تجعل عامل الوقت مهم جداً.عند العمل على أراضٍ مهمة أو ذات قيمة عالية، يصبح استثمار الوقت أساسياً. بعيداً عن الوقت، هناك تحدي الجودة؛ حتى لو كنت تنوي تقديم أفضل منتج، لا تتاح لك دائماً الأيدي العاملة المؤهلة لذلك، خصوصاً في المقاولات، حيث قد تحتاج مواد معينة مثل البلاط الجيد، لكن اليد العاملة الماهرة غير متوفرة دائماً. العمل في هذا المجال إنشائي وليس ميكانيكي فقط.كما أن التعامل مع العملاء يشكل تحدياً، إذ قد لا يكون لديهم خبرة أو وعي بالمجال، لذلك يجب أن يكون الشخص حريصاً على جودة المواد، العينات، وتنظيم العمل، مع متابعة كل خطوة مع العميل لضمان أفضل نتيجة.
كيف تختارون الأشخاص من مهندسين وعاملين بالشركة لضمان الجودة المطلوبة؟ وهل هناك نقطة حاسمة في اختيارهم؟
م.غيث: يمكن تلخيصها بكلمة من القرآن: “القوي الأمين”، أي أن يكون الشخص قوياً في مجاله وأميناً على مصلحة الشركة، ملتزماً ودقيقاً في عمله. إذا توفرت هذه الصفات، يصبح الشخص إضافة قيمة للشركة. بخلاف ذلك، يختلف الأمر حسب الوظيفة؛ فالمهندس في قسم التصميم يجب أن يكون لديه خبرة بالبرامج الهندسية وطريقة عمل الـBIM، أما المهندس في قسم التنفيذ فالمهم أن تكون لديه معرفة بالبنود وطريقة التسليم، دون التركيز على البرامج. الهدف هو وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وفق متطلبات كل وظيفة.
أستاذ غيث، ذكرت أننا نتعامل مع يد عاملة بشرية، ما رأيك بالتطور والذكاء الاصطناعي AI،وهل تعملون على توظيفه في شركتكم؟ وما وجهة نظرك حول الجملة المنتشرة أن الذكاء الاصطناعي سوف يأخذ عمل المهندسين؟
م.غيث: أقسم المجال إلى قسمين: تصميم وتنفيذ. بالنسبة للتنفيذ، أرى أن الذكاء الاصطناعي بعيد جداً، حيث أن المعدات الأوتوماتيكية محدودة. أما في مجال التصميم، فإن
الذكاء الاصطناعي يُعد إضافة مفيدة، من باب اختصار الوقت والجهد.
أنا أستبعد أن يحل الـAI محل المهندسين، لأنه حتى الـAI يحتاج إلى شخص ليتعلم منه ويقيّم نتائجه. فمثلاً إذا أعطانا الـAI تصميماً، يجب أن يكون هناك من يقيمه، لأن كثيراً من النتائج التي يقدمها قد تكون خاطئة. تماماً كما في المجال الطبي، حيث قد يعطي الـAI تشخيصاً خاطًئا، ومن يحكم هو الطبيب المتعلم، كذلك نحن كمهندسين نقيّم عمل الـAI .
الـAI يساعد في توفير الوقت وإعطاء نتائج ملخصة وسريعة. وبالنسبة لشركة Guide، نحن مع أي أداة توفر الوقت والجهد والتكلفة، لذلك نرحب باستخدام الـAI كإضافة وليس كبديل
مهندسة دانا كيف ترين في ظل المشاريع الكبيرة ورؤية 2030 الفرصة لتطبيق مفاهيم الاستدامة بالسعودية؟ وهل من الممكن تطبيق المفهوم الأخضر في سوريا؟
م.دانة: تطبيق مفاهيم الاستدامة أو تخفيف انبعاث الكربون دائماً مكلف ويضيف تكلفة إضافية على المباني، لذلك يجب أن يكون مفروضاً بشكل إلزامي. ولهذا فإن الجهات الحكومية والوزارات تفرض هذه المعايير ضمن القوانين، وبدون وجود هذه القوانين الناظمة لا يلتزم الجميع بالتنفيذ.
هنا كفرصة كبيرة في المملكة العربية السعودية لتطبيق الاستدامة بسبب وعي الحكومة الكبير بهذا الموضوع، ما يجعل تطبيق القوانين أمراً ممكًنا وفعّالاً.
مفهوم الاستدامة ضروري لأي مكان، لأن المباني تؤثر على البيئة من حيث الاحتباس الحراري والتأثير السلبي العام. لكن دائماً هناك ميزان بين تكلفة المشروع وتطبيق مبادئ التصميم البيئي، أي مدى إمكانية إعطاء الأولوية للمبادئ البيئية مقابل التكلفة.
بالنسبة لسوريا، أرى أن التطبيق ممكن من خلال قوانين ناظمة وإجراءات قانونية تفرض على الرخص. وفي مرحلة إعادة الإعمار، وبما أننا نبني من الصفر، فالأمر أصبح ضرورة لبناء مستدام وصحيح، لكن التطبيق يعتمد على الميزانية والاقتصاد ومدى التمويل المتاح لكل مشروع.
مارؤيتكم لإعادة الإعمار، وكيف ترون أن المشاريع يجب أن توازن بين الهوية والتراث؟
م.دانا: أناضد فكرة أن تكون دمشق القديمة دائماً هي الدليل لكل مشاريع إعادة الإعمار، وهذا أمر موجود في كل العالم. إذا ذهب ِت إلى باريس، سترين برج إيفل وتاريخه، ثم حوله كتل حديثة وأبراج عالية وواجهات زجاجية. الحفاظ على التراث مهم في الأماكن التراثية، لكنّه لا يجب أن يكون معياراً إلزامياً في البناء أو التوسع في كل المدن. في السعودية، على سبيل المثال، هناك العمارة النجدية وبيوت نجدية وقلاع يجب المحافظة على أساساتها، لكن في المدن المالية يجب البناء للحاضر، لا للماضي. أنا أؤمن أنه يجب الحفاظ على عمارة الماضي، لكن عند بناء الحاضر يجب أن يكون البناء معاصراً وملائماً لوقتنا.
م.غيث: أضيف هنا أنّني مع أن يكون لأي بناء هوية مستمدة من أسس تشبهنا، لكن بمفهوم أعمق.كثيراً ما نأخذ العمارة الدمشقية على أنها مجرد أرضيات أو باثيو أو نقوش وزخارف معينة، لكن العمارة أبعد من ذلك؛ هي النسبة والتناسب والكتلة والفراغ. مثلاً يمكن أن تكون نسب المبنى مثل العمارة الدمشقية دون الحاجة لتكرار المشربية أو أرض الديار حرفياً، لتنتج
عمارةمحدثة.حتى عند عملي على مشاريع هنا، صممت مبانٍ حديثة مع الحفاظ على فكرة النسب أو التفاصيل المستوحاة من المنطقة، فتصبح تصاميم حديثة تشبهنا. العمارة الدمشقية أكثر من مجرد عناصر تقليدية، وهي ما يتيح لنا إنتاج تصاميم معاصرة مع الحفاظ على الهوية والوظيفة.
ماهي نظرتكم المستقبلية لشركة GUIDE خلال السنوات القادمة، خاصة بعد عشر سنوات؟
م.دانا: في الحقيقة، نحن الآن في ،2025 وتطلعاتنا تمتد حتّى ،2030 ومن الصعب الحديث عن عشر سنوات مستقبلية بدقة. خصوصاً مع وجود كأس العالم الذي سيساهم في نمو كبير في قطاع البناء،خاصة المشاريع الضخمة والاستثمارات الكبيرة مثل شركات Aura وطلعت مصطفى.هناك مجمعات سكنية ُتبنى الآن على مقاييس كبيرة جداً. تطلعات الشركة تتماشى مع تطلعات البلد: تطوير مقاييس المشاريع وتوسيع نطاق العمل. حالياً ٪90 من مشاريعنا في الرياض،ولكن نطمح للتوسع إلى مناطق جديدة ذات مشاريع مهمة مثل العلا والبحر الأحمر، أي التركيزعلى حجم المشاريع وتوسيع وجودنا الجغرافي.
م.غيث:صحيح، التطلعات ترتبط بحجم المشروع وقيمته. حجم المشروع هو العامل الأهم في تحديد مستقبل الشركة ونموها.
عندما تشاهدون شركة ناجحة، ما هي الخطوات أو الصفات التي يجب أن يتحلى بها المدير أو القائد؟
م.غيث: أول نقطة أرى أنّها يجب أن تكون لدى القائد رؤية واضحة وأهداف محددة. ثانياً، النزاهة والصدق من الصفات الأساسية. ومن المهم جداً أن يكون هناك تواصل مستمر مع أعضاء الفريق، وأن يتمتع القائد بالمرونة في اتخاذ القرارات مع الالتزام بروح القانون.
بالنسبة للشركات الناشئة، أركز كثيراً على التفويض، حيث يجب أن يفوض القائد مهامه لكل قسم ويتيح للاجتماعات مع رؤساء الأقسام، مع منحهم الثقة اللازمة، فلا يمكن أن يكون ”عرض رجل واحد“ أو ”show man one”
في ظل الكثير من التحديات، هل هناك شخصية تلهمكم لتتابعوا مساركم المهني بشكل صحيح؟
م.غيث: أنا أرى أن أي شخص ناجح يمكن الاستفادة من دروسه، مثل ستيف جوبز عندما أقنع مؤسس شركة بيبسي بالعمل معه قائلا ً له: ” ألا تريد أن نغيّر العالم معاً، أم ستظل تبيع مياه وسكر؟ “؛ هذا غير المفهوم التقليدي الربحي والمادي. بالنسبة للنزاهة، هناك دكاترة أثروا فيّ كثيراً، مثل الدكتور عماد المصري، الذي لاحظ إمكانياتي منذ السنة الأولى في كلية الفنون الجميلةوأصرَّ على انتقالي إلى قسم العمارة، وهذا القرار كان له أثر كبير على مسيرتي.
حتى من خلال لقاءات وتجارب مختلفة، مثل مقابلة سميح ساويرس حيث تحدّث عن التفويض، تعلمت أنّه إذا كان هناك شخص أفضل مني لأداء مهمة معينة، يجب تفويضه.
وبالمثل،من مقابلات طلال أبو غزالة تعلمت أنه بالإمكان الانطلاق من الصفر دون أعذار. في كل لقاء وكل شخص نتعرف عليه، أحاول أن أستخلص الإيجابيات وأتجنب السلبيات، وأتعلم شيئاً من كل قصة وتجربة.
م.دانا: بالضبط مثلما قال المهندس غيث، لا يوجد شخص واحد قدوة بالمطلق، بل يمكن لكل شخص أن يكون قدوة في جانب معين؛شخص قد يكون قدوتك بالالتزام و آخر القيادية، وهكذا يمكن التعلم من خصال مختلفة لكل شخص.
هل هناك مشروع أقرب إلى قلوبكم من مشاريع شركة GUIDE؟
م.دانا:لا يوجد مشروع يمكن أن أصفه بأنه الأقرب دائماً، فكل مشروع يحمل نقاط قوة وإيجابيات مختلفة يمكن التركيز عليها. مثلاً، في مشروع قد نركز أكثر على الحجم والسكيل (scale)،وفي مشاريع أخرى يكون التركيز على الستايل أو الثيم، أما في مشاريع مثل المجمع الطبي،فإنّ التركيز الأساسي يكون على الوظيفة (function )نفسها. لذلك، لكل مشروع لمسته الخاصة التي نعمل عليها ونركز عليها بشكل أكبر، وتختلف هذه اللمسة من مشروع لآخر.
لاحظنا وجودشعار لكل مشروع تصممونه، كيف نشأت هذه الفكرة وما الهدف منها؟ وهل تعملون في الجرافيك ديزاين أيضاً؟
•م.دانا: لدينا فريق جرافيك ديزاين يعمل على الشعارات والهوية البصرية. الفكرة الأساسية هي أن لكل فراغ هوية خاصة، فقبل أن نبدأ بأي تصميم، نبدأ بصنع الهوية، بما فيها الثيم و اللون والشخصية الخاصة بالمكان. على سبيل المثال، عند سماع اسم مكان معين، يجب أن يتبادر إلى الذهن شكل أو لون أو شعار مرتبط به. هذه الهوية هي التي توجه رحلة التصميم، بحيث تنعكس على توزيع الفراغات والوظائف لاحقاً.
م.غيث: أحب أن أضيف أن الشعار يمثل فن الاختزال؛ أي أنك تعبّر عن كيان أو مشروع ما بأيقونة مختصرة. على سبيل المثال، شعار الهوية البصرية السورية الجديدة يعبر عن تاريخ سوريا ومجدها في أيقونة واحدة، وهكذا بالنسبة لكل مشروع، يجب أن يعكس الشعار وظيفة المشروع بشكل مختصر وواضح.
ما الرسالة التي تودون توجيهها للشباب العربي الطامح للتأثير في مجتمعه؟
م.غيث: نحن اليوم في عصر السوشيال ميديا، حيث يُسلط الضوء غالباً على اللاعبين و المغنين وأصحاب الأموال، لكن النجاح الحقيقي هو للناس المتعلمين والدارسين والعاملين بجد.هناك مهندسون وعلماء حققوا نجاحات كبيرة دون أن ُيعرفوا للجمهور. برأيي، لن نصل إلى النجاح المنشود إلا عبر القيمة الحقيقية، سواء كانت هندسية أو علمية أو إنسانية. على سبيل المثال، الطبيب الذي ينقذ حياة طفل أو يساهم في نجاحه أهم من أي نجاح يُعرض على السوشال ميديا. لذلك أشجع الشباب على السعي لتحقيق نجاح حقيقي بقيمة حقيقية.
م.دانا: مبدئي الأساسي هو الجهد المستمر والمثابرة. حتى أيام الجامعة، كان الذكاء مهماً، لكن الأهم هو الإصرار والعمل المتواصل بلا يأس. قد يبدو هذا الكلام مكرراً، لكنه حقيقي جداً؛ إن الجهد المستمر والمتراكم بعد أربع أو خمس سنوات يعطي ثماره. أنصح أي شخص بألّا ييأس،ويضع كل جهده، يعمل أكثر من ٨ ساعات، أحياناً إلى ١٥ أو ١٦ ساعة، وسيجد ثماره لاحقاً كما قال ستيف جويز :
You can’t connect the dots looking forward; you “ ”..can only connect themlookingbackwards
م.غيث: يمكن تلخيص الرسالة بأن الهواة يحركهم الشغف، أما المحترفون يحركهم الالتزام.
رحلة المهندسة دانا يوسف والمهندس غيث شحادة تعكس كيف يمكن للشغف بالتصميم أن يتحوّل إلى منظومة متكاملة تجمع بين الفكر والإدارة والتنفيذ، في سعي نحو جودة تتجاوز الشكل إلى المضمون. ما يميّز حديثهما ليس فقط الإنجازات المهنية، بل وضوح رؤيتهما في بناء بيئة عمل محفّزة وإيمانٍ عميق بدور المعماري في صياغة مستقبل العمران والفراغات التي تخدم الإنسان والمجتمع
معرض الصور:
فريق الإعداد:
إعداد: ماريسّا حمامجي _نور شكاس _محمد الحمود
نشر إلكتروني: هيلين العزالدين
التدقيق العلمي: م. مروة المخلف
التدقيق اللغوي:م. مروة المخلف














