إعادة صياغة المدينة الهامشية: قراءة في مشروع (المدينة الأخرى)

خلف مشاهد النهوض والازدهار العمراني للمدن يكمُن مشهد العامل المُعمر، المُغيب عن المشهد الحضري للمدينة والناشئ في مساحات هامشية ذات نسيج عمراني خاص تعرف ب(المدينة العمالية) والتي تقع على أطراف المدينة الرسمية المنعزلة عنها بصرياً ومكانياً، بالرغم من الغنى الثقافي والمعرفي الذي يحملونه معهم من بلدانهم المختلفة.
ولأن العمارة هي أسمى أداة تعبير عن العدالة الاجتماعية يبرز دور المعماري إسلام المشتولي في مشروعه ورؤيته الإنسانية الحاصلة على جائزة ” WAFX ” التي أسقط من خلالها الضوء على تلك الأيدي العاملة المهمشة والمنسية للتعبير عن الامتنان لمكانتهم الاجتماعية وجهودهم في التعمير والبناء، فهم جزء لا يتجزأ من سياق المدينة ويلعبون فيها دوراً محورياً في نسج خيوطها وتشكيلها لا مجرد أدوات إنتاج تدعم المصالح الإقتصادية، وأشار عالم الاجتماع لوفيفر في كتابه “الحق في المدينة ” لهذا المفهوم الذي سنناقش بعضاً مما جاء به أيضاً في مقالنا هذا.

المفهوم الذي جاء به Henri Lefebvre في كتاب "The right to the city":

هنري لوفيفر هو عالم اجتماع وفيلسوف فرنسي، أعاد تعريف التحليل المكاني في السياقات الاجتماعية و القضايا الحضرية وحقوق القاطنين في المدينة أياً كان عرقهم وطبيعة عملهم ، ونشر ذلك في عام 1968 في كتابه “الحق في المدينة” الذي أكد فيه على الوصول العادل للمدينة الذي يتجاوز مجرد الوصول المادي بل يشمل الحق في تشكيل البيئات الحضرية، منتقداً التوسعات الحضرية المعاصرة التي تُفضل المصلحة الاقتصادية عن الحاجة الإنسانية والتي ينشأ عنها تهميش للطبقة العاملة والفقراء ومنح امتيازات لفئات معينة عن الأخرى. 

يسعى لوفيفر إلى إنشاء مدن أكثر عدلاً وإنصافاً، داعياً إلى الاندماج الاجتماعي والحوكمة الديموقراطية والاستدامة البيئية كعناصر جديدة في تشكيل المدن وإعطاء الأولوية لاحتياجات جميع السكان وخاصةً المجتمعات المهمشة.

فالمدينة بالنسبة إلى لوفيفر ليست مجرد نتاج للصناعة والرأسمالية بل هي “عمل فني” يصنعه سكانها باختلافهم وتنوعهم، فالحق بالاختلاف يستوجب وجود فضاء حضري تتعايش فيه مختلف الثقافات، يعكس تنوعهم ويُشجع الناس على العمل معاً، فالاختلاف هو القوة الدافعة لتشكيل الفضاء. كما اقترح لوفيفر إنشاء مساحات عامة بسياسات تعزز هذا الاندماج وتدعمه.

(1)- كتاب The right to the city لمؤلفه Henri Lefebvre

ماهو " WAF" ؟

WAF هو أكبر مهرجان معماري عالمي، يجمع بين المسابقات والندوات المعمارية ويعد ملتقى لتبادل الخبرات والمعارف، فيحتفي بالتميز والإبداع المعماري من جميع أنحاء العالم كما يتيح للمصممين عرض ومشاركة أعمالهم ومناقشتها أمام لجان التحكيم بشكل مباشر وهذا ما يمثل جوهر مهرجان WAF.

واقع معسكرات العمال في مدن الخليج:

تعد معسكرات العمال في المدن الخليجية جزءاً من البنية العمرانية الإنتاجية المرتبطة بمنظومة البناء، حيث تنشأ في مواقع طرفية تتصف بأنها تجمعات سكنية جماعية مكتظة ذات تنظيم مكاني موحد، مجهولة الهوية ومصممة وظيفياً لتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة.
تشير الدراسات العمرانية وتقارير السياسات الحضرية إلى أن هذه التجمعات تُخطط وفق منطق الكفاءة التشغيلية لا المعيشية وتخضع لهيمنة شركات المقاولات والجهات المشرفة، فينتج عنها نسيج منفصل يعمل كمدينة موازية غير مرئية ضمن المدينة المعاصرة .

المدينة الأخرى "The other city"

طرح المعماري إسلام المشتولي في مشروع ” المدينة الاخرى” فكرة تحويل معسكرات العمال الهامشية في الخليج التي وصفها “بالملاجئ المؤقتة” إلى مُجمعات إبداعية إنسانية تحمل العديد من المعاني والذكريات وتدعم حق الاختلاف والتنوع وحق المشاركة الذي وصفه لوفيفر.
و تسائل المشتولي “كيف يمكن لتدخلات معمارية صغيرة تركز على الإنسان وكرامته أن تُحول هذه المساحات المعزولة إلى بيئات للتواصل والانتماء؟ “

(3)- لقطة عامة للمشروع

رؤية المشروع:

يَحمل العمال الوافدين من مناطق مختلفة من العالم كبنغلاديش والهند والفلبين ومصر والنيبال وغيرها من المدن، عادات وثقافات مُتعددة تجعل أماكن إقامتهم فسيفساء ثقافية غنية، فهم يَنقلون معهم تاريخهم ولغاتهم وطعامهم ولباسهم وموسيقاهم مما ينشأ عنها واحة ثقافية وخريطة متعددةٍ الأصوات لا يمكن تجاهلها ببساطة.


أعاد هذا المشروع تصور معسكرات العمال مقترحاً سلسلة من التدخلات المعمارية التشاركية المنخفضة التكلفة و التي تشمل على:
1_ مكتبات مصنوعة من مواد معاد تدويرها في الهواء الطلق.
2_ أركان مخصصة للهواتف تتيح مساحات هادئة خاصة للتواصل عن بعد.
3_ مطابخ خارجية مشتركة، تدعو إلى الطبخ الجماعي ورواية القصص.
4_ تحويل الأسطح الى حدائق خضراء و أماكن للتجمع، ويمكن إعادة تصورها كمساحات راقية مُنتجة تُوفر الغذاء، حيث يمكن للعُمال زراعة الطعام والأعشاب والزهور وتتيح لهم فرصة التأثير والتأثر والمشاركة في المجتمع الحضري.
5_ تخصيص ساحات احتفال متناوبة تتماشى مع التنوع العرقي والديني للعمال.
6_ إنشاء جدران سينما وميكروفونات للشِعر والغِناء والحِوار والتبادل الثقافي.


يمكن لهذه التدخلات الطفيفة المدروسة بعناية أن تُفعل الحياة الاجتماعية والثقافية الكامنة داخل هذه المجتمعات ونقلها من واقعها المُسيئ إلى مواقع للحياة والصمود والكرامة والحرية

(4)- توضح الصورة ممرات المعسكرات التي تحولت إلى مساحة اجتماعية حية.
(5)- الواجهة الجديدة للمعسكرات العمالية
(6)- المساحات الزراعية التجريبية
(7)- جسور التواصل الرابطة بين الغرف السكنية للعمال

وفي الختام استطاعت “المدينة الأخرى” أن ترسم المعسكرات العمالية على الخارطة الحضرية للمدينة، وأن تُضَمنهم في نسيجها من خلال منهجها التصميمي الصادق الذي يُكرم العمق الثقافي ويعترف بوجوده اللامرئي، فهي تعكس وتُجسد القيم اللامادية بأسلوب نابض بالحياة تُحول فيه العامل من مجرد فرد مُهمش ومُستَهلك إلى مشارك فاعل ومؤثر في المجتمع الذي يُقيم فيه.

المراجع:

فريق الإعداد:

إعداد: رانيا عمر كريز
نشر إلكتروني: محمد انس رستم اغا

التدقيق العلمي: مريم محمد ابراهيم
التدقيق اللغوي:سارة ماهر التجار

مقالات قد تعجبك

4
ورشة دمشق 2024
Belvedere Hilversum
برج بلفيدير السكني
Panton-chairs-by-verner-panton_dezeen_2364_col_0
كرسي S تحفة verner panton
SOS_Village_Djibouti_-_Facade_(4)
قرية الأطفال SOS في جيبوتي
صورة الغلاف
هاي لاين ( The High Line )
1663076231-p05891_bah_08
مكتبة ليلافاتي لالبهاي في جامعة مركز التخطيط البيئي والتكنولوجيا (الهند)
Scroll to Top