بيان مسلم (فرناندو): طالب عمارة يصنع طريقه بخطوات واثقة Bayan Maslem

بيان مسلم (فرناندو): طالب في قسم الهندسة المعمارية وأحد المتطوعين المميزين في فريق مقالات المشاريع ضمن مجموعة 22 المعمارية. يتميّز بشغفه الكبير في تطوير مهاراته الأكاديمية والمهنية، وسعيه الدائم لربط التجربة التعليمية بالممارسة الواقعية في العمارة. من خلال عمله في المجموعة، يقدّم بيان (فرناندو)  رؤية شبابية طموحة تعكس روح الجيل الجديد من المعماريين السوريين، القادرين على توظيف الإبداع والعمل الجماعي لخدمة المعرفة المعمارية .

بيان مسلم (فرناندو): طالب عمارة يصنع طريقه بخطوات واثقة

المكان والتاريخ: لقاء افتراضي جمع دمشق وحمص – تشرين الثاني 2025

1. بدايةً، مهندس بيان، ما الذي دفعك لاختيار دراسة العمارة؟ وهل كان قراراً مدروساً منذ البداية أم نتيجة شغف اكتشفته مع الوقت؟

أهلاً وسهلاً، أشكركم جزيل الشكر على هذه الدعوة اللطيفة. بدأت فكرة العمارة تراودني عندما كان عمري تسع أو عشر سنوات، حين كانت أختي في مرحلة البكالوريا وتفاضل على الهندسة المدنية. سألتها وقتها عن الفرق بين الهندسة المدنية والعمارة، فشرحت لي أن الأولى تهتم بالإنشاء والثانية بالحل الوظيفي والتصميم. أثار ذلك اهتمامي، وتخيّلت أننا بعد التخرج قد نفتح مكتباً سوياً، وكانت تلك الشرارة الأولى.
ثم جاءت الحرب، وكنت حينها في المرحلة الابتدائية، وتنقّلت بين مدارس عدّة بسبب الأوضاع في مدينة حمص. المشهد العمراني المتأثر بالدمار كان حافزاً قوياً لي. حتى منزلنا لم يسلم، فقد تضرّر بقذيفة ما زال أثرها واضحاً حتى اليوم. كلما مررت بالمكان أستمدّ دافعاً أكبر لأساهم في إعادة البناء. كما أن مدينتي كوباني تعرّضت لمجزرة عام 2014 ومسحت تقريباً من على الخريطة، وهذا كلّه عمّق في داخلي الرغبة بالعمل في مجال العمارة.
بعد البكالوريا كنت مهتماً أيضاً بالسينما والتصوير، وبدأت أتعلم على برامج مثل Blender و After Effects. في تلك الفترة كان أهلي يرغبون بدخولي المجال الطبي، لكنني لم أجد نفسي هناك. اقترحت دراسة العمارة، ففوجئت أن والدي كان متحمساً وشجعني، رغم معارضة باقي العائلة. هذا التحدي جعلني أصرّ أكثر على إثبات أنني أستحق هذا التخصص، وأنني سأكون فيه متميزاً. الحرب خلقت في داخلي مسؤولية وإصراراً على الإعمار من جديد، فدخلت العمارة بدافع الشغف والحلم معاً.

2. كيف أثّرت دراسة العمارة على نظرتك للحياة اليومية وللمدن من حولك؟ وهل غيّرت الطريقة التي ترى بها الأشياء والتفاصيل؟

بالتأكيد. دراسة العمارة خلال خمس سنوات تشبه معسكراً تدريبياً مكثّفاً، تعلّمني الانضباط والمسؤولية واتخاذ القرار. عندما نقرّر مثلاً في مشروع ما إذا كنا سنضيف جداراً أو نلغيه، فذلك قرار يتحمّل تبعاته. هذا ينعكس على حياتنا اليومية، نصبح أكثر اتزاناً وبرودة أعصاب في مواجهة المواقف.
كذلك تعلّمنا العمارة الالتزام بالوقت، إذ علينا تقديم عدّة مشاريع خلال فصل واحد وفي مواعيد محددة، مما يطوّر فينا مهارات الإدارة والتنظيم. في رأيي، خريج العمارة هو أيضاً خريج إدارة أعمال بشكل غير مباشر، لأن هذا التخصص يصقل قدراتنا في التخطيط، الالتزام، وتحمل الضغوط.

3. برأيك، ما الذي يميّز دراسة العمارة في سوريا تحديداً؟ وكيف ترى أهميتها في إعادة بناء المدن وتحسين واقعها العمراني؟

من خلال مشاركتي في مسابقات عديدة ومتابعتي لأعمال معمارية حول العالم، أرى أن ما يميّز دراسة العمارة في سوريا هو كونها هندسة عمارة تجمع بين الجانب الفني والإنشائي. هذا الدمج يمنحنا رؤية متكاملة وقدرة أكبر على التعامل مع التحديات الاقتصادية والبنية التحتية.
كما أن الطالب في سوريا يتخرج وهو يمتلك قاعدة علمية قوية بفضل المناهج الدراسية الغنية بالرياضيات والفيزياء والكيمياء. حتى بعض مشاريعي مثل  Malaz El-Sahraa BarraCuda Stadium  استلهمتها من دروس في البكالوريا. التعليم في سوريا فعلاً قوي من حيث الأساس العلمي، وهذا ما يجعلنا قادرين على الربط بين الفن والهندسة عند التفكير بإعادة الإعمار.

4. كيف بدأت علاقتك بمجموعة «توينتي تو المعمارية»؟ وما الذي جذبك للانضمام إليها كمتطوّع ضمن فريق «مقالات المشاريع»؟

أنا شخص بطبيعتي مدفوع دائماً للتقدّم والإنجاز، وأبحث باستمرار عن مساحة أعبّر فيها عن طاقتي ومهاراتي في الكتابة، والعزف، والرسم، وتصميم الغرافيك. عندما رأيت إعلان التطوّع في صفحة المركز الفكري المعماري، شعرت أن هذه فرصتي.
التطوع بالنسبة لي وسيلة للبقاء منتجاً حتى في فترات الفراغ. انضممت إلى قسم كتابة المقالات لأنني أحب البحث والتحليل، وأردت تنمية هذه المهارة أكثر. أؤمن أن المعماري الناجح هو من يبدع أيضاً في مجالات أخرى مثل الكتابة والرسم والعلاقات الاجتماعية.
حالياً أكتب مقالات شهرية، وفكرت مؤخراً أنه بعد عامين سيكون لدي عشرات المقالات التي قد أجمعها لاحقاً في كتاب. أعتبر أن الروتين الإيجابي هو مفتاح النجاح، فهو الذي يبني إنجازاتنا خطوة بخطوة دون أن نشعر.

5. من خلال تجربتك في قسم مقالات المشاريع، ما الذي يميّز العمل بهذا القسم؟ وما القيمة التي يضيفها لك مهنياً وشخصياً؟

العمل في القسم جعلني أبحث وأقرأ باستمرار، ما يعني أنني أتعلّم بشكل متواصل. حتى خلال العطلة الصيفية شعرت أنني أحقق إنجازاً لأنني أكتب وأبحث دون انقطاع. هذه التجربة زادت من معارفي وشجعتني على تطوير أسلوبي الكتابي والتحليلي، وهو أمر مهم جداً لأي معماري.

6. خلال عملك على تحليل المشاريع وكتابتها، كيف ترى العلاقة بين الفكرة التصميمية والمعنى الإنساني أو الاجتماعي للمشروع؟

أرى أن العلاقة بين الفكرة التصميمية والمعنى الإنساني علاقة متبادلة وجذرية، فكل تصميم ناجح ينشأ من حاجة إنسانية. الفكرة التصميمية هي بمثابة الحمض النووي (DNA) للمشروع، فهي التي تحدد صفاته وسلوكه المعماري.
هناك سوء فهم شائع حول مفهوم “الكونسبت”، إذ يظن البعض أنه مجرد شكل نهائي مستوحى من رمز معين، مثل الفراشة مثلاً. بينما الفكرة الحقيقية هي في سلوك الفراشة أو مادتها أو ملمسها، وليس شكلها فقط. الكونسبت هو التفكير العميق وراء التصميم وليس رمزه البصري.
للأسف، تنتشر على الإنترنت فيديوهات تُظهر مباني مستوحاة من فواكه أو أشكال سطحية، وهذا يخلق تصوراً خاطئاً عن العمارة لدى الناس غير المختصين.

7. لاحظنا اهتمامك الكبير بتطوير مهاراتك المعمارية بشكل مستمر. ما النصائح التي تودّ توجيهها لطلاب العمارة الجدد؟

أعتقد أن ما أوصلني إلى ما أنا عليه اليوم هو الروتين الصحي والانضباط والخطة طويلة المدى. منذ دخولي العمارة وضعت هدفاً واضحاً: أن أحقق إنجازاً خلال السنوات الخمس. لم أحصل على جائزة حتى الآن، لكنني حققت ما هو أهم و هو أنني بنيت بورتفوليو قوي، وشاركت في مسابقات كثيرة، وأصبح اسمي معروفاً على محركات البحث.
أنصح الطلاب بالبحث عن الإلهام في كل شيء مثل الموسيقى، الفنون التشكيلية، وحتى في الحياة اليومية. سنوات الدراسة هي فرصة لتطوير المهارات، سواء في البرامج أو في فن الشرح والتعبير عن الأفكار.
كما أنصح بعدم الاعتماد الكامل على 3D Max فقط، فمع تطور الذكاء الاصطناعي أصبح أقل ضرورة. يجب على الطالب أن يتعلم برامج الـ BIM مثل Revit، وأن يفهم فلسفة العمارة لا مجرد أدواتها. النضج في العمارة يبدأ من الانضباط الذاتي والفكر النقدي قبل أي برنامج.

8. قدّمتَ مشاريع لافتة مثل Malaz El-Sahraa، El-Umayyad Tower ، BarraCuda Stadium ، وغيرها. كيف تصف تجربتك في تطوير هذه المشاريع وما القاسم المشترك الذي يجمعها؟

في بداية كل مشروع أمرّ بمرحلة أسميها العصف الذهني، أبدأ فيها بالعزلة وجمع الأفكار. المشاريع السكنية مثلًا تحتاج إلى بحث وإحصاء مسبق، ثم تتطور الفكرة تدريجياً خلال الأسابيع، لا تأتي الفكرة النهائية في البداية، بل تنمو مع الوقت.

أحرص دائماً على الابتكار وعدم التقليد. استلهم من البيئة المحلية لأنها توجه تفكيري. مثلًا، مشروع Malaz El-Sahraa استلهمته من الطبيعة الصحراوية في الدوحة، وقد ترشح هذا المشروع مع  Tower إلى جائزة Golden Trezzini، وهي بمثابة “الأوسكار في العمارة”.

أما El-Umayyad Tower فكانت فكرته مستوحاة من رمزية الثبات والقوة. خلال الحرب، رأيت أن الأشكال الهندسية البسيطة كالمكعب والمثلث والهرم تعطي شعوراً بالاستقرار. لاحقاً تطورت الفكرة لتشمل رمزية السيف الأموي واللعب بالضوء والظل، واستلهمت من متحف المستقبل في دبي فكرة النقوش على الواجهات، لكني استخدمت الخط الكوفي لما يحمله من صلابة وجمال هندسي.

9. هل هناك مشروع يمثّل محطة خاصة بالنسبة لك أو يحمل معنى شخصي مميزًا لك؟

نعم، مشروع SpiderMall له مكانة خاصة عندي. كان مشروعاً جامعياً على أرض مساحتها 25 ألف متر مربع، وكنت أبحث فيه عن فلسفة تتجاوز الشكل. ركزت على تعزيز المبيعات عبر التصميم، فدرست علم النفس السلوكي المرتبط بالشراء الاندفاعي، وصمّمت مسارات تجعل الزوار يمرون بمحلات معينة بطريقة غير مباشرة، ما يحفّز الشراء.
هذا النوع من التفكير الفلسفي أصبح جزءً من مشاريعي كلها، أن تكون للعمارة رسالة وسلوك وتأثير، لا مجرد حل وظيفي جميل.

10. برأيك، ما أبرز العقبات التي تواجه طلاب العمارة الشباب في سوريا اليوم؟ وكيف يمكن تجاوزها؟

الوضع في سوريا صعب جداً على كل المستويات، خاصة مع انعدام مقومات الحياة الأساسية. في السنة الرابعة، مثلاً، كان لديّ ستة مشاريع في فصل واحد، وكانت الكهرباء مقطوعة أغلب الوقت. كنت أستيقظ أحياناً في الثالثة صباحاً لأستغل فترة وصول الكهرباء، أو أرسم على الورق طوال الليل لأنقل العمل لاحقاً على الحاسوب.
واجهنا خلال خمس سنوات أزمات متتالية: كورونا في السنة الأولى، أزمة مرور في الثانية، زلزال في الثالثة، توتر أمني في الرابعة… ومع ذلك واصلنا.
كما أن دراسة العمارة مكلفة جداً مقارنة بباقي الفروع، خاصة مع غلاء المواد. حتى على الصعيد الجسدي، أغلب طلاب العمارة ينهكون تماماً وأمزح دائماً أن “في كلية العمارة لا يوجد أحد سمين”، لأن التعب والسهر يمنعنا حتى من تناول الطعام أحياناً! هي تجربة قاسية لكنها تُصقلنا.

11. ما المعماريون الذين يلهمونك في مسيرتك؟ وكيف ينعكس تأثيرهم في أعمالك؟

كنت دائماً أبحث عن شخص أستلهم منه، لأن وجود قدوة يوجه التفكير. لم أجد نموذجاً محدداً، لكن أعجبت بعمل المعماري السوري مهند الباشا، ليس فقط إلهاماً بل كحافز وتحدٍّ، لأنه أثبت أن النجاح ممكن داخل سوريا.
كذلك ألهمتني المصممة المسرحية البريطانية Es Devlin رغم أنها ليست معمارية بالمعنى التقليدي، لكن طريقتها في التفكير البصري أثّرت فيّ. ومع ذلك أحاول دائماً الابتعاد عن التقليد، وإن لاحظت تشابهاً مع أحد أعود لأبتكر شيئاً خاصاً بي تماماً.

12. أخيراً، كيف ترى نفسك في السنوات القادمة؟ وما الهدف الذي تسعى إليه من خلال العمارة؟

في البداية كنت أحلم بالحصول على جائزة معمارية لأثبت لنفسي أنني حققت شيئاً. قبل دخولي العمارة كنت لاعب كرة قدم، لكن توقفت بسبب ضعف الرياضة في البلد، فحمّلت نفسي مسؤولية الفشل. لذلك دخلت العمارة بإصرار على أن أكون أو لا أكون.
اليوم أصبح حلمي أوسع. أرغب بتأسيس مدرسة جديدة للفنون والعمارة، على غرار «الباوهاوس»، تجمع بين العمارة، النحت، الموسيقى، التصميم، والفنون التشكيلية، مدرسة أيقونية شاملة أُسميها «المدرسة الأيقونية للفنون».
فكرتها أن يتعلم الطلاب ويعملون في الوقت نفسه، كأن يصمم طلاب التصميم الداخلي قطع الأثاث وينتجونها لتُباع في السوق. هي مدرسة للتمكين الإبداعي.
وجودي اليوم في فريق مجموعة توينتي تو المعمارية يمنحني دافعاً للاستمرار، وأتمنى أن أترجم هذا الحافز إلى مشروع واقعي في المستقبل القريب.

رحلة المهندس بيان مسلم (فرناندو) تعكس شغف الجيل الجديد من المعماريين السوريين بالبحث والتجريب، وسعيهم الدائم لخلق تأثير حقيقي في بيئتهم الأكاديمية والمهنية. ما يميّز تجربته ليس فقط تميّزه في فريق مقالات المشاريع ضمن مجموعة 22، بل أيضاً وعيه بأهمية المعرفة التشاركية والعمل الجماعي في تطوير الفكر المعماري. من خلال رؤيته الطموحة، يقدّم بيان (فرناندو) نموذجاً لمعمارٍ شاب يرى في العمارة مساحةً للتعبير والمسؤولية، وفي العمل التطوعي جسراً بين التعلّم والإبداع.

مشروع Malaz El-Sahraa – من أعمال المهندس بيان مسلم  (فرناندو)

مشروع مركز طبي في الاماكن المقطوعة - من أعمال المهندس بيان مسلم (فرناندو)

مشروع SpiderMall - من أعمال المهندس بيان مسلم (فرناندو)

مشروع El-Umayyad Tower - من أعمال المهندس بيان مسلم (فرناندو)

معرض الصور:

فريق الإعداد:

إعداد: م. ماريسّا حمامجي

نشر إلكتروني: منور_قلعجي

التدقيق العلمي: م. مروة المخلف

التدقيق اللغوي:م. مروة المخلف

مقالات قد تعجبك

Amale_Andraos
من الشرق الأوسط إلى الغرب، عن الأكاديمية والعمل. لقاء مع د. امال اندراوس
stringio
السكن الاجتماعي في كوينتا مونروي
الشرفات الخارجية للبرج
التعريف بالأبراج السكنية
entrance-1
بيت أبان (ايران)
8-1900
فندق جاليريا ميدوبارو - Galleria Midobaru Hotel
Screenshot 2024-11-22 105017
معايير وعمليات تخطيط التجمعات السكنية
Scroll to Top