عمارة بلا حدود: كيف يعيد الميتافيرس رسم الفضاء المعماري

في عالم رقمي لا تحكمه الجاذبية ولا تحدّه المواد، تنطلق العمارة نحو أفق جديد ، الميتافيرس لم يعد مجرد خيال ، بل واقع يغيّر مفهوم “المكان” كما نعرفه…… من Zaha Hadid إلى المدن الذكية، كيف تتحوّل العمارة إلى تجربة افتراضية شاملة؟

مع تطور التكنولوجيا وتكامل أدوات مثل الواقع الافتراضي ، ظهر الميتافيرس كبيئة جديدة تعيد صياغة علاقتنا بالمكان إذ لم تعد العمارة محصورة بالجدران والمواد والقيود الفيزيائية، بل أصبحت لغة رقمية يمكن أن تُصمم وتُختبر وتُعاش بالكامل داخل عالم افتراضي. في هذا السياق، باتت وظيفة المعماري تتعدى الإنشاء المادي إلى خلق تجارب حسية ومرئية داخل فضاءات لا تحدّها الطبيعة. هذا المقال يسلط الضوء على كيف غيّر الميتافيرس قواعد اللعبة المعمارية، ويستعرض أبرز أدواته ومشاريعه.

ما هو الميتافيرس؟

الميتافيرس هو عالم رقمي شامل، مستمر، ومترابط، يسمح للمستخدمين بالتفاعل فيما بينهم من خلال شخصيات افتراضية تُعرف بالأفاتارات و هو ليس مجرد لعبة أو مساحة افتراضية مؤقتة، بل أشبه بعالم موازٍ يمتلك خصائص اجتماعية واقتصادية خاصة به.
اللافت في الميتافيرس أنه لا يتبع القواعد الفيزيائية التي تحكم الواقع إذ أن المستخدمون لا يتواجدون فيه فحسب، بل يمكنهم العيش، العمل، بناء علاقات، وامتلاك عقارات افتراضية. هذه البيئة تتيح خلق تجارب جديدة تمامًا، سواء للأفراد أو للمصممين والمعماريين.

(الميتافيرس إذًا ليس مجرد وسيلة ترفيه، بل بيئة كاملة تُعيد تعريف “الوجود” في العصر الرقمي.)

"الميتافيرس" من وجهة نظر العمارة فقط :


العمارة في الميتافيرس تُشير إلى تصميم وإنشاء بيئات رقمية تفاعلية بالكامل ضمن عالم افتراضي و المعماري في هذا السياق لا يبني مباني واقعية ، بل يُبدع هياكل افتراضية و مبانٍ، مناظر طبيعية، مساحات اجتماعية حيث يستطيع المستخدمون دخولها والتفاعل معها كما لو كانت واقعية.

كيف تُترجم العمارة إلى داخل الميتافيرس؟

في العالم الواقعي، ترتبط العمارة بالبناء: مواد، هياكل، قوانين جاذبية، كودات إنشائية… أما في الميتافيرس، فكل هذه القيود تتلاشى.
العمارة في الميتافيرس تتحول من كونها مجرد بناء ملموس إلى تجربة تفاعلية مصممة رقميًا. المصمم لم يعد مطالبًا بأن يفكر: “هل هذا السقف سيصمد؟”، بل يُركّز على كيف يشعر المستخدم داخل هذا الفضاء.
يمكن للمعماري أن يصمم: مبانٍ عائمة في الهواء ، جدران تتحرك وتتفاعل ، غرف تتغير حسب الوقت أو مزاج المستخدم .


(النتيجة؟ الفضاء المعماري يتحول إلى تعبير حرّ، لا يخضع لأي حدود سوى الخيال، لكنه ما زال يحمل وظيفة: خلق بيئة تؤثّر في المستخدم وتُحرك حواسه)

الأدوات المستخدمة في تصميم عمارة الميتافيرس

تصميم العمارة في الميتافيرس لا يتم عبر الطوب والإسمنت، بل عبر البرمجيات المتقدمة. من أبرز الأدوات التي يستخدمها المعماريون في هذا المجال:

-محركات الألعاب مثل Unreal Engine وUnity: وهي المنصات الأساسية لبناء البيئات ثلاثية الأبعاد التفاعلية.
-برامج النمذجة ثلاثية الأبعاد مثل Rhino وBlender: هذه البرامج تُستخدم لنحت وتشكيل الكتل المعمارية افتراضيًا.
-تقنيات الـNFTs والبلوكشين: لحفظ حقوق التصميمات الرقمية وضمان ملكيتها وعدم نسخها.

( الميزة الأساسية لهذه الأدوات أنها تتيح حرية تصميم كاملة، وتجعل من كل معمار فنانًا رقميًا يمكنه تحويل رؤيته إلى فضاء يمكن للناس الدخول إليه والتفاعل معه )

لماذا يجب على المعماريين أن يهتموا بالميتافيرس؟

العمارة في الميتافيرس ليست مجرد توجه مؤقت، بل هي فرصة حقيقية للمعماريين لتوسيع نطاق عملهم خارج حدود الواقع لأنها تفتح أبوابًا جديدة للتجريب دون تكلفة مادية إذ يمكن للمعماري اختبار أفكار جريئة، دون أن يقيده كود أو ميزانية لأنها تتيح له الوصول لسوق عالمي من المهتمين بالعقارات الرقمية، التصميم الداخلي الافتراضي، والفعاليات داخل الميتافيرس لأنها تمنحه القدرة على توليد دخل من بيع التصاميم كأصول رقمية (NFTs) أو من خلال المشاركة في مشاريع ضخمة داخل المنصات الافتراضية.

( في الواقع، العمارة الرقمية قد تصبح قريبًا مسارًا مهنيًا قائمًا بحد ذاته، يتوازى مع العمارة التقليدية، أو حتى يتفوق عليها من حيث الابتكار.)

كيف سيُشكّل الميتافيرس العمارة والتخطيط الحضري؟

الميتافيرس لا يؤثر فقط على تصميم المباني الرقمية، بل يمتد ليؤثر على طريقة تخطيط المدن الحقيقية. كيف؟ من خلال ما يُعرف بـ “التوأم الرقمي” (Digital Twin)، وهو نسخة رقمية دقيقة من مدينة واقعية، تُستخدم لتحليل البيانات وتخطيط الخدمات قبل تنفيذها على الأرض.
المعماريون والمخططون أصبح بإمكانهم:
اختبار تدفق الناس داخل الفضاءات العامة افتراضيًا.
محاكاة آثار المشاريع العمرانية على المدى الطويل.
التفاعل مع السكان في بيئات افتراضية لجمع آراءهم قبل اتخاذ قرارات تصميمية.


(الميتافيرس هنا لا يحل محل المدينة، بل يدعمها بالأدوات الرقمية التي تساعد في صنع قرارات عمرانية أكثر وعيًا ودقة.)

دور العمارة في عالم الميتافيرس :

مع التطور المتزايد لميتافيرس، يتزايد عدد المستخدمين والتواجد على هذه المنصة الافتراضية تدريجيًا. هذا يعني أن المساحات الافتراضية مطلوبة بشدة. تُعد العمارة أحد التخصصات التي تُسهم في هذا الطلب. بالإضافة إلى التعريفات العديدة لميتافيرس، تتباين الآراء حول دور العمارة في الميتافيرس. دور العمارة في الميتافيرس – neuroject مع تطور العالم الافتراضي، يزداد دور العمارة في الميتافيرس في تحقيق الأفكار الإبداعية والخيالية تنوعًا. يعتمد تصميم وبناء البنية التحتية المعقدة التي يتطلبها الميتافيرس على موهبة المهندسين المعماريين ومهاراتهم وأدواتهم. هناك ادعاءات لا حصر لها حول أهمية العمارة في الميتافيرس. بناءً على هذه الادعاءات، يمكن القول إنه مع ظهور تقنيات الألعاب الجديدة المُطورة على الإنترنت ثلاثي الأبعاد، ستختفي الحدود بين المهندسين المعماريين ومصممي المنصات الافتراضية بسرعة في القرن الحادي والعشرين. بفضل قوة الخيال وحل المشكلات ومعالجة المعلومات التي يُقدمها المهندسون المعماريون. وبالإضافة إلى ذلك، لديهم القدرة على تشكيل العالم الافتراضي.

صورة توضيحية للميتافيرس

التحديات التي تواجه عمارة الميتافيرس :

  • محدودية أدوات التصميم – Limited Design Tools :
    تصميم المباني في الميتافيرس يُواجه صعوبات بسبب قلة أدوات التصميم المتاحة. بعكس الواقع، توجد فقط برامج قليلة حاليًا قادرة على دعم التصميم المعماري الكامل داخل العالم الرقمي، مما يُقيّد الإبداع المعماري ويؤدي إلى حلول تصميمية أقل تطورًا.
    التحدي : هنا أن البرامج المستخدمة في الواقع (مثل Revit، AutoCAD…) غير مصممة بالكامل للميتافيرس، مما يفرض حدودًا على المعماريين.
  • القيود التقنية – Technical Limitations :
    عدد محدود من العناصر التي يمكن استخدامها ضمن البيئة الرقمية
    حدود لحجم المساحات الممكن تصميمها
    انخفاض مستوى التفاصيل الممكن إضافتها هذا يعني أن المصمم لا يستطيع دائمًا تنفيذ رؤيته كما يريد، لأن بعض المنصات الرقمية لها قدرات معالجة محدودة.
  • صعوبة الوصول والتكلفة – Accessibility and Cost :دخول عالم الميتافيرس يتطلب أجهزة خاصة وبرمجيات حديثة، مثل نظارات الواقع الافتراضي، مما يجعلها أقل توفرًا لفئات واسعة من الناس إضافة لذلك، فإن تكلفة الدخول إلى هذا المجال – سواء من حيث المعدات أو البرمجيات – ما زالت مرتفعة نسبيًا و هذا يعيق انتشار استخدام عمارة الميتافيرس بين المهندسين والمستخدمين العاديين، ويجعلها مقتصرة على فئات تقنية أو ميسورة.
  • الملكية الرقمية غير الواضحة – Digital Ownership & Legal Challenges :أحد التحديات الرئيسية هو غياب إطار قانوني واضح لـ ملكية الفضاءات الرقمية. من يملك المبنى الرقمي؟ هل هو المعماري؟ المنصة؟ المشتري؟ وكيف تُحفظ حقوق النشر والتصميم
  • افتقار المعايير – Lack of Standardization :
    لا توجد حاليًا معايير موحّدة تحدد كيفية تصميم الفضاءات في الميتافيرس، مما يؤدي إلى تباين في جودة ونوعية المشاريع، ويخلق فوضى تصميمية في بعض المنصات.

 

الأمثلة على مشاريع عمارة الميتافيرس :

1- مشروع ليبرلاند في الميتافيرس Zaha Hadid :
قام مكتب زها حديد المعماري (ZHA) بتصوّر مشروع مدينة رقمية باسم “ليبرلاند – Liberland Metaverse”، وهي مدينة “سيبر-عمرانية” تستند إلى مبادئ التحرر والليبرتارية.

أبرز ما يميز المشروع:

  • يُمكن للمستخدمين شراء أراضٍ افتراضية (قطع أرض رقمية) داخل هذه الدولة المصغّرة.
  • يمكن الدخول إلى المدينة والتجول فيها من خلال أفاتارات (شخصيات رقمية).
  • تتكوّن المدينة من أحياء رقمية فائقة الواقعية تعزز الحُكم الذاتي الحضري والتنوع.
  • بعض المناطق تفتقر عمدًا للتخطيط الحضري، لتشجيع الاستكشاف العفوي والنظام الحر.

(هذا المشروع يُمثّل رؤية معمارية لمستقبل غير مقيّد بقيود العالم الواقعي، ويعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمكان من منظور رقمي تمامًا.)

مشروع ليبرلاند في الميتافيرس


2- مشروع الأرشيف الرقمي ثلاثي الأبعاد لناطحة السحاب “كبسولة ناكاجين” Gluon :
شركة Gluon، وهي شركة استشارات رقمية من اليابان، أطلقت مشروعًا رقميًا لحفظ مبنى شهير اسمه برج كبسولة ناكاجين (Nakagin Capsule Tower) الواقع في طوكيو.

تفاصيل المشروع:

  • يعتمد على تقنيات قياس متقدمة لتوثيق المبنى رقميًا بتفاصيله الكاملة ثلاثية الأبعاد.
  • الهدف هو إعادة إنشاء المبنى داخل الميتافيرس من أجل الحفاظ عليه رقميًا للأجيال القادمة.
  • المبنى الحقيقي مهدد بالهدم بسبب تدهور حالته الهيكلية، وعدم توافقه مع قوانين الزلازل الحديثة في اليابان.هذا المشروع
  • يُعد محاولة لخلق أرشيف معماري حي داخل العالم الرقمي.

( يُستخدم الميتافيرس هنا كوسيلة للحفاظ على التراث المعماري، عبر التوثيق ثلاثي الأبعاد وإعادة التفعيل في بيئة افتراضية. )

مشروع الأرشيف الرقمي ثلاثي الأبعاد لناطحة السحاب "كبسولة ناكاجين"

الميتافيرس لا يُلغِي العمارة الواقعية، بل يفتح أمامها بوابة لعصر جديد من الاحتمالات اللامحدودة. هو مساحة للتجريب، ولإعادة تعريف “المكان” كفكرة وشعور وتجربة. في عالم يصبح فيه كل شيء قابلًا للبرمجة، تصبح العمارة الرقمية دعوة للمعماريين لابتكار ما لم يكن ممكنًا من قبل، وربما، لصنع واقع جديد بالكامل.

معرض الصور:

المراجع:

فريق الإعداد:

إعداد: م. دانة الزين
نشر إلكتروني: المنتصر بالله بياعة

التدقيق العلمي: ألاء محمود البرادعي 
التدقيق اللغوي:سارة ماهر التجار 

مقالات قد تعجبك

Museum-Of-Islamic-Art-Doha_17
جائزة بريتزكر للعمارة متحف الفن الإسلامي في الدوحة
00Portada_Toulkarem_23
محكمة طولكرم (فلسطين)
1
تراسات بيروت
صورة عامة للمشروع
سفارة الأطفال في برلين
قرية الأطفال SOS في رايبور
قرية الأطفال SOS في رايبور
za’atari-camp-refugee-school-architecture_dezeen_hero-2-852x479
مدرسة منخفضة التكلفة تسع لثلاثة آلاف طفل من مخيمات اللاجئين
Scroll to Top