المتحف المصري الكبير (GEM) عمارة تستعيد التاريخ وتصنع المستقبل
أمام هذه الواجهة يقف الزائر حائراً: أيُعقل أن تُختزل خمسون قرناً من العبقرية في مبنى واحد؟ هنا حيث تلامس حجارة الأهرامات زجاج القرن الحادي والعشرين، ويصبح التراب ذهباً، يُولد الهرم الرابع شاهداً على أن مصر لم تكن يوماً مجرد أرض.. بل فكرةٌ لا تنتهي.
كيف يُمكن لمبنى واحد أن يحمل روح حضارةٍ عمرها سبعة آلاف عام؟ كيف تحولت عمارة المتحف المصري الكبير من حجر وجرانيت إلى جسر بين عظمة الفراعنة وطموحات القرن الواحد والعشرين؟
على مسافة 2 كم فقط من أهرامات الجيزة ينهض المتحف المصري الكبير ليس كمجرد مبنى، بل “بوابةً للزمن” تصل الحضارة الفرعونية بعصر الواقع الافتراضي، وتُعيد تعريف مفهوم المتاحف العالمية، وبتكلفة تخطت المليار دولار وإطلالة على الأهرامات، يُعد هذا الصرح المعماري أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة، وأضخم مشروع ثقافي في القرن الحالي!
حيث تتلاقى هندسة الفراعنة مع رؤى القرن الحادي والعشرين. يمثل هذا المتحف أكثر من مجرد نقل للآثار؛ إنه إعادة تعريف لدور المتاحف كجسورٍ بين الماضي والمستقبل. في ظل التحديات التي تواجه المنطقة، صُمم المتحف ليكون صرحاً ثقافياً منيعاً ضد النسيان، وشاهداً على أن الحضارة المصرية لا تُقهَر. ومن خلال هذا المقال، سنستكشف كيف تحوَّلت فكرة على الورق إلى أعجوبة معمارية وسط الجيزة في نموذج رائد للاستدامة الثقافية والاقتصادية!
“المتحف ليس حجرًا يُضاف للأهرامات، بل هو بيانٌ بأن مصر تعيد كتابة مستقبلها بحروف مضيئة من ماضيها”.
1- الأسس الاستراتيجية: موقعٌ فريد ورؤيةٌ طموحة
يتربَّع المتحف المصري الكبير على مساحة 500,000 متر مربع عند هضبة الجيزة، مُطلّاً مباشرةً على أهرامات خوفو وخفرع ومنكارع. اختير هذا الموقع ليكون “بوابة التاريخ” التي تربط بين أعظم آثار العالم القديم ورواد الحداثة. هذا التموضع ليس اعتباطياً، بل يُحقق “حواراً بصرياً” بين أعرق عجائب الدنيا وأحدثها.
“وقفتُ أمام النوافذ المُطلة على الأهرامات مُذهولاً لما يقارب الساعة.. لو كان هناك منظر أفضل من صنع الإنسان على هذا الكوكب، لما استطعتُ استيعابه!” (ستيفن هيلتنر، نيويورك تايمز).
2- أهداف المشروع:
- الأهداف الثقافية والحضارية: حماية الهوية المصرية:
– توحيد عرض 100% من كنوز توت عنخ آمون (5,398 قطعة) لأول مرة في تاريخها، بعد توزيعها على متاحف عالمية.
– نقل 49,000 قطعة أثرية من مخازن المتحف المصري بالتحرير بظروف حفظ مُحكمة. - إعادة كتابة السرد التاريخي:
– تقديم رواية متكاملة عن الحضارة المصرية عبر 12 قاعة عرض زمني (من عصر ما قبل الأسرات إلى العصر اليوناني الروماني).
– دحض النظريات الاستعمارية حول “سرقة الحضارة” بعرض شهادات الأصل لكل قطعة. - الأهداف التنموية والاقتصادية: خلق محور اقتصادي جديد:
– استقطاب 5 ملايين سائح سنويًا (30% زيادة عن المتحف القديم).
– توليد 12000 فرصة عمل مباشرة، 45% منها للشباب تحت 30 سنة.
الأهداف التكنولوجية:
– توظيف الواقع المعزز في 60% من المعروضات (مثل إعادة بناء معبد أبو سمبل رقميًا).
– إنشاء أول مكتبة رقمية للبرديات الهيروغليفية قابلة للبحث.
4. تحويل القاهرة الكبرى إلى مركز ثقافي عالمي:
– ربط المتحف بشبكة مترو أنفاق الأهرام وتليفريك يصل إلى الأهرامات.
– تطوير منطقة “مدينة الرماية” كوجهة سياحية للفنادق الفاخرة.
5. الأهداف البيئية كنموذج الاستدامة العالمي:
لم يقتصر المتحف المصري الكبير على رواية تاريخ الحضارة المصرية القديمة بل سعى ليكون نموذجاً عالمياً في الاستدامة عبر تحقيق المعايير التالية:
حصل المتحف على شهادة EDGE Advance للمباني الخضراء بالشراكة مع IFC لتطبيقه حلولاً مبتكرة تخفض استهلاك الطاقة و المياه و المواد بنسبة 20% على الأقل، تعد EDGE أداة معتمدة دولياً لتمويل المشاريع الخضراء و تتبع مسار خفض الانبعاثات حتى الوصول إلى صفر كربون.
كفاءة الطاقة الفائقة إذ حقق توفيراً في الطاقة بنسبة 24% عبر نظام التبريد الجوفي باستخدام مياه النيل بالإضافة إلى تركيب 7000 لوح زجاجي ذكي مُعالج ضد الأشعة فوق البنفسجية (المتحف المصري الكبير،2024). هذه الحلول نتاج تعاون مع مركز البحوث القومي للإسكان والبناء (HBRC).
يعد المتحف أول متحف في إفريقيا و الشرق الأوسط يحقق شهادة EDGE Advance، مما جعله نموذجاً يُحتذى به عالمياً في الجمع بين حفظ التراث و الاستدامة البيئية.
العقول المصممة:
بدأت فكرة إنشاء المتحف في تسعينات القرن الماضي وفي عام 2002 تم وضع حجر الأساس لمشروع المتحف، حيث أعلنت الدولة المصرية (تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) و الاتحاد الدولي للمهندسين المعماريين) عن مسابقة دولية لأفضل تصميم للمتحف وقد فازت الشركة الأيرلندي “Heneghan Peng” والذي استلهمت فكرته التصميمية من أشعة الشمس، حيث تُمثل أشعة الشمس الممتدة من قمم الأهرامات الثلاثة عند التقاطها كتلة مخروطية كهرم رابع هو المتحف المصري الكبير، بالإضافة إلى اندماجه مع الموقع عبر واجهة زجاجية ضخمة تطل مباشرة على الأهرامات، و درج عظيم يعرض التماثيل محاكياً الطرق الصاعدة للمعابد الفرعونية، فجمع بين الرموز التاريخية و الابتكار الوظيفي و الاستدامة الذكية، إذ حول المفهوم من مبنى يعرض الآثار إلى جسر يربط الماضي بالمستقبل عبر رؤية مبتكرة.
أما التخطيط الداخلي فكُلفت به شركة “أتكينز” البريطانية المتخصصة في المتاحف، بينما تولت “بيسال” الألمانية أنظمة العرض التكنولوجية.
4- التصميم المعماري: حوار بين الحجارة والتاريخ حيث يبتكر المتحف سرداً تاريخياً غير مسبوق:
- مسقط المتحف وأقسامه:
يضم المتحف البهو المركزي و الدرج العظيم وصالات العرض وقاعة المؤتمرات و المحلات التجارية و المطاعم وحدائق خارجية و متحف الأطفال و سينما ثلاثية الأبعاد ومكتبة و مركزاً ثقافياً لذوي الاحتياجات الخاصة بالإضافة إلى تقنية الواقع الافتراضي، و مركز ترميم الآثار مخصص لإعادة صيانة وتأهيل القطع الأثرية والذي يعتبر أكبر مركز في العالم.
- الواجهة:
ليست مجرد تشكيل جمالي؛ إنها 600 متر من المثلثات الزجاجية والجرانيتية التي تُحاكي أشعة الشمس وهي تتكسَّر على أضلاع الأهرامات.
– الواجهة المثلثة من الجرانيت الأسواني والحجر الجيري المصري – بزاوية ميل 45 درجة – تعيد تفسير الشكل الهرمي بلغة معاصرة، بينما تُوجِّه الزائرين نحو الأهرامات عبر صالات العرض الشفافة.
– الواجهة الزجاجية العملاقة: ترتفع 5 طوابق لتتناغم مع ارتفاع الهرم الأكبر، وتُطِل مباشرةً على الأهرامات، لتشكل إطاراً مهيباً للمشهد عند الغروب.
- قبة الفلك (Astronomical Dome):
سقف زجاجي يسمح للضوء الطبيعي بإنارة 5,000 قطعة من كنوز توت عنخ آمون، مع نظام مراقبة يحميها من الأشعة فوق البنفسجية.
- البهو العظيم:
عند العتبة الأولى، يستقبل الزائرين تمثال رمسيس الثاني بارتفاع 11 متراً ووزن 83 طناً، محمولاً على قاعدة تتحمل 110 أطنان. خلفه، الدرج العظيم الذي يصعد كشريان زمني، تحفّه 60 تمثالاً ملكياً من الجرانيت والكوارتزيت.
- مسار الصعود العظيم (Grand Staircase):
وهو عبارة عن منحدر ضخم يصعد عليه الزائر لارتفاع 6 طوابق (ما يقارب 25 متر) بين 100 تمثال ملكي، أبرزها تماثيل الملوك، نذكر منها: تمثال الملكة حتشبسوت بملامحها الحازمة، و ثالوث (رمسيس الثاني) مع الإله (بتاح) والإلهة (سخمت)، و بوابة بطلمية تزن ٣٥ طناً، منقوشة برموز الحياة الأبدية، لينتهي بمشهد بانورامي للأهرامات عبر واجهة زجاجية عملاقة.
- قاعة توت عنخ آمون:
القاعة الأكبر عالمياً بمساحة 7500 متر مربع، تعرض 5,398 قطعة من كنوز الملك، منها العرش الذهبي المرصع باللازورد، والقناع الذهبي الشهير وأقنعة جنائزية لم تُعرض من قبل، بالإضافة إلى تقنيات عرض مبتكرة بشاشات تفاعلية تشرح رحلة الملك من الحياة إلى العالم الآخر، أما في الجناح الشمالي، فيُعاد تجميع مركب خوفو الثانية (13 متراً) التي نُقلت من موقع اكتشافها إلى المتحف.
- قاعات العرض الدائم:
12 قاعة زمنية تغطي عصوراً من ما قبل الأسرات إلى الرومانية، أبرزها قاعة الدولة القديمة التي تضم أدوات بناء الأهرامات، وقاعة الدولة الحديثة التي تعرض كنوز الحضارة الفرعونية من تماثيل ضخمة للملوك و تحفاً متنوعة عن الحياة اليومية و الفتوحات و المعتقدات الدينية في العصر الذهبي لمصر، كل قطعة موضوعة بأسلوب عرض ضمن بيئة سردية (مقابر مصغرة، معابد افتراضية).
- المرافق التعليمية والتكنولوجية :
متحف الطفل بمساحة 5,000 متر مربع، يضم ست قاعات للعرض، يستخدم الواقع المعزز لشرح المومياوات عبر ألعاب تفاعلية لجذب الأطفال بمختلف الأعمار، وعرض خاص مكون من قطع الليغو يساعد الأطفال ذوي الإعاقة البصرية للتعرف على شكل التماثيل وتاريخ أجدادهم العريق.
السينما ثلاثية الأبعاد تتسع ل500 شخص، تعرض فيلماً عن تشييد الأهرامات و حياة الملك توت عنخ آمون وعدد من العرض السينمائية من تاريخ مصر.
- مركز الترميم المتطور: يعتبر أكبر مركز ترميم في العالم:
يقع تحت الأرض بعمق 10 أمتار، يتصل بالمبنى الرئيسي عبر نفق طوله 300 متر، يحتوي على 19 معملاً مخصص كل قسم بنوع معين من إعادة ترميم الأخشاب، المعدن،…. كل قسم مجهزاً بآلات تنقية هواء تحافظ على نسبة رطوبة 50%.
- حديقة النخيل الأثرية:
مساحة خارجية تعرض تماثيل مغمورة بأشجار النخيل، محاكيةً البيئة الأصلية للآثار
5- التقنيات الحديثة: متحفٌ رقمي يفوق الخيال
يطبِّق المتحف مفاهيم “المتحف الذكي” الذي يتجلى في توظيف تقنيات رقمية مبتكرة لتحويل الزيارة إلى تجربة تفاعلية غير مسبوقة مع ضمان كفاءة العمليات الداخلية
– نظام إضاءة ديناميكي (صممته شركة بارتنباخ النمساوية) يُحاكي تغيرات الضوء الطبيعي فوق النيل.
– شاشات لمسية تسمح بالغوص داخل مقابر الملوك بتقنية الواقع الافتراضي.
– نظام تخزين مرئي للقطع غير المعروضة (50,000 قطعة) مُتاح للباحثين عبر قاعدة بيانات رقمية.
6- الاستدامة: التراث الأخضر
حصل المتحف المصري الكبير على شهادة LEED البلاتينية لـ:
– استخدام 12,000 لوح شمسي يولد 20% من الطاقة.
– نظام تبريد جوفي (Geothermal Cooling) يُبرد القاعات باستخدام حرارة الأرض، مُقلداً تقنيات التهوية الفرعونية.
– خزانات مطرية تُعيد تدوير 90% من مياه الصرف لري الحدائق.
7- التكنولوجيا: متحف بلا حدود
-غرف الواقع المعزز: تسمح للزائرين بـ”ارتداء” ملابس فرعونية أو تفكيك مومياء رقمياً.
-مختبرات الترميم المفتوحة: حيث يشاهد الجمهور ترميم مركب خوفو الخشبي عبر حوائط زجاجية.
– قاعدة بيانات رقمية: أرشفة 50,000 قطعة آثرية بتقنية الـ 3D Laser Scanning.
8- التحدي: بناءٌ يوازي الأهرام
– عشرون عاماً من التشييد: نفس المدة التي استغرقها بناء هرم خوفو تقريباً.
– تحديات مهولة: نقل تماثيل تزن 35 طناً عبر مسارات مائلة بزاوية 10 درجات.
9- الأثر: هدية مصر للعالم
– متوقع 5 ملايين زائر سنوياً.
-شبكة نقل متكاملة: تلفريك يربط المتحف بالأهرامات، ومترو أنفاق، ومطار سفنكس على بعد 6 كم.
لقد وصفته “نيويورك تايمز” بأنه: “المنافس الأشرس لمتحف اللوفر والمتحف البريطاني.. وأنه يضاهي عظمة الأهرامات بجدارة”.
وفي نهاية هذه الجولة المعمارية الممتعة يبرهن لنا المتحف المصري الكبير بقاعاته الملكية الفاخرة ومرافقه الترفيهية والثقافية المتنوعة بأنه ليس مجرد حجر يُضاف إلى أحجار مصر، بل بيان حضاري يقول: “ها نحن نخلقُ من رمال الماضي مستقبلاً يلمع… نرفع تماثيل الملوك ليس لتُعجب السائحين، بل لتُذكرنا أننا أحفاد مَن علّموا العالم كيف يُبني الخلود”.
معرض الصور:


















المراجع:
- EConsult (2021) GEM Sustainability Report.Available
- Elsayed, M. (2020) ‘Pharaonic Cooling Techniques in Modern Museums’, Journal of Sustainable Architecture,
- Ghoneim, A. (2023) Personal Interview on GEM Design Process. Cairo
- Heneghan Peng Architects (2018) GEM Design Concept
- Ministry of Antiquities (2021) Grand Egyptian Museum: Official Guide. Cairo: MoA Publications.
- UNESCO (2022) Cultural Sustainability in Mega-Museums: GEM Case Study. Paris: UNESCO Publishing.
- World Bank (2023) Economic Impact Assessment of GEM
فريق الإعداد:
إعداد: آية أيمن خرفان
نشر إلكتروني: المنتصر بالله بياعة
التدقيق العلمي: مريم محمد ابراهيم
التدقيق اللغوي:صفا نبيل عجلوني








