التصميم المعماري ومرض السل
-تستعرض هذه المقالة كيف شكلت التحديات الصحية، مثل جائحة السل في أوائل القرن العشرين، دافعًا لثورة في التصميم المعماري، متجسدة في مصحة بايميو بفنلندا.
-نستكشف مبادئ التصميم الرائدة للمهندس ألفار آلتو التي تحول المبنى إلى “أداة طبية”، مع التركيز على الوظيفة، الضوء الطبيعي، الهواء النقي، النظافة، والراحة النفسية.
-نحلل كيف امتد تأثير هذه المبادئ من المصحات إلى العمارة السكنية الحديثة، محولةً المنازل من مجرد مأوى إلى بيئات تعزز الصحة والرفاهية.
-نسلط الضوء على الأبحاث المعاصرة التي تؤكد العلاقة العميقة بين التصميم المعماري والصحة العامة، مؤكدةً على أهمية الدروس المستفادة من الماضي في تصاميم مستقبل أكثر صحة.
التصميم المعماري ومرض السل: كيف تحولت منازلنا لأداة شفاء !
في بداية القرن العشرين، واجه العالم تحديًا صحيًا كبيرًا تمثل في مرض السل الذي انتشر على نطاق واسع. في ظل غياب الأدوية الفعالة، حيث اتجه الأطباء والمعماريون نحو الطبيعة كحل علاجي، وأصبحت عناصر مثل الشمس والهواء النقي والراحة أساسًا لتصميم مؤسسات علاجية متخصصة تُعرف بـ المصحات.
كانت مصحة بايميو في فنلندا، التي صممها ألفار آلتو وزوجته آينو بين عامي 1929 و 1933، مثالًا بارزًا لهذه الفلسفة. لم تكن المصحة مجرد مبنى، بل كانت تُعتبر “أداة طبية” بحد ذاتها، مصممة لتلبية احتياجات مرضى السل. تجاوز تصميم آلتو ذلك ليضع أسسًا لمفهوم جديد في العمارة السكنية، حيث يصبح المنزل بيئة متكاملة تهدف إلى تعزيز صحة ورفاهية سكانه.
يتناول هذا المقال التطور من التصميم المعماري الوظيفي لمصحة بايميو إلى كيفية تحول المنازل الحديثة إلى مساحات تعزز الشفاء. ويُبرز كيف أصبحت مبادئ العمارة الخالية من الزخارف الزائدة هي جوهر تحسين جودة الحياة.
مصحة بايميو – أيقونة العمارة الشافية وولادة "الأداة الطبية":
لم تكن مصحة بايميو مجرد مبنى، بل كانت تجسيدًا لفلسفة تصميمية رائدة وضعت صحة الإنسان وراحته في المقام الأول. انطلق آلتو من فرضية أن البيئة المبنية يمكن، بل يجب، أن تساهم بفعالية في عملية الشفاء.
السياق التاريخي والحاجة الماسة:
انتشار مرض السل كجائحة عالمية في ظل غياب المضادات الحيوية، حيث تجلّت العلاجات المتاحة آنذاك: الراحة التامة، الهواء النقي، التعرض لأشعة الشمس، والنظافة الصارمة.
بروز المصحات كحل علاجي وبيئي، حيث التصميم المعماري جزء لا يتجزأ من بروتوكول العلاج.
فاز آلتو بمسابقة تصميم المصحة عام 1929، واكتمل البناء عام 1933. (Archive.org. (2016))
وقام ألتو بتسمية آلتو المبنى بـ”آلة طبية” أو “أداة طبية”، ليعكس منهجه الوظيفي العميق، الذي يتجلى بالنظر إلى كل عنصر معماري وتصميمي من منظور مساهمته في شفاء المرضى وراحة الطاقم.
مبادئ التصميم المعماري الثورية في بايميو:
- الوظيفية الخالصة (الفنكنالية) ونبذ الزخرفة:
– تجريد المبنى من أي زخارف غير ضرورية.
– التركيز المطلق على تلبية احتياجات المرضى (غرف تتسع لمريضين مع خزانة مغسلة خاصة لكل منهما) والعاملين.
– خلق بيئة فعالة وصحية تخدم الهدف العلاجي مباشرة. - الضوء الطبيعي وأشعة الشمس كعنصر علاجي:
– تصميم غرف المرضى بإطلالات واسعة على غابات الصنوبر.
– نوافذ كبيرة تسمح بأقصى قدر من دخول ضوء الشمس (العلاج الشمسي).
– توجيه شرفات التشميس في نهاية كل جناح غرف نوم للاستفادة المثلى من الشمس، حيث يمكن نقل المرضى بأسرّتهم إليها، بالإضافة إلى سطح الشمس في الطابق العلوي. - الهواء النقي والتهوية المبتكرة:
– أهمية قصوى لتوفير هواء نقي ومتجدد.
– شرفات مفتوحة وأنظمة تهوية متطورة تضمن دوران الهواء النقي لتقليل التيارات المزعجة. - النظافة القصوى وسهولة الصيانة:
– استخدام أسطح ملساء وسهلة التنظيف.
– زوايا مستديرة لتقليل تراكم الغبار والجراثيم.
– رفع الأثاث (مثل الخزائن المثبتة على الحائط) عن الأرض لتسهيل التنظيف تحته.
– تصميم أحواض غسيل “صامتة” بزاوية معينة لمنع انتشار الرذاذ وتقليل الضوضاء حتى لا تزعج المريض الآخر. - الراحة النفسية والهدوء كجزء من العلاج:
– استخدام ألوان هادئة ومدروسة (مثل الأسقف المطلية بلون أخضر رمادي مريح لتقليل الوهج للمرضى المستقلين).
– وضع المصابيح بعيدًا عن خط رؤية المرضى (بداية فكرة الإضاءة المخفية).
– تصميم أثاث مريح وعملي، وأبرزها “كرسي بايميو” المصنوع من الخشب الرقائقي ليكون أكثر دفئًا من المعدن، ومصمم ليساعد على فتح صدر المريض وتسهيل التنفس.(Koeper, H.F. (2019))
كما تمت مراعاة الجانب الاجتماعي للمرضى الذين يقضون فترات طويلة في المصحة بتوفير مرافق عامة، مصلى، ومسارات تنزه.
من بايميو إلى بيوتنا، كيف استلهمت العمارة السكنية مبادئ الشفاء؟
لم تبقَ الدروس المستفادة من تصميم المصحات، وعلى رأسها بايميو حبيسة جدران المؤسسات الطبية، بل تسربت هذه الأفكار الثورية لتشكل ملامح العمارة الحديثة، وبشكل خاص، تصميم المنازل السكنية.
تبني فلسفة "الآلة للعيش" وتطورها إلى "المنزل كأداة للشفاء":
تجلت هذه الفلسفة عبر ترويج معمارييّ فترة الحداثة مثل لو كوربوزييه لمفهوم “المنزل آلة للعيش”، مشددًا على الكفاءة الوظيفية، ثم توسع هذا المفهوم ليشمل قدرة المنزل على تعزيز الصحة الجسدية والنفسية والرفاهية العامة لساكنيه الأصحاء، استلهامًا من بيئة المصحات عبر التركيز على النقاط الآتية:
- الضوء الطبيعي والهواء النقي كعناصر جوهرية:
– شيوع النوافذ الكبيرة، الواجهات الزجاجية، والشرفات في تصميم المنازل الحديثة. حيث أن الهدف لم يعد مجرد الإضاءة، بل الاستفادة من تأثير ضوء الشمس على المزاج والساعة البيولوجية، وتوفير تهوية طبيعية لتحسين جودة الهواء الداخلي.
– تصميم ارتفاع النوافذ بما يتناسب مع مجال رؤية الشخص وهو جالس أو مستلقٍ، كما فعل آلتو للمرضى. - النظافة والصحة كأولوية تصميمية:
– استخدام مواد بناء وأسطح سهلة التنظيف في المنازل (أرضيات ملساء، أسطح غير مسامية).
– التصميم البسيط و”الخطوط النظيفة” لتقليل تراكم الغبار والمواد المسببة للحساسية.
– التصاميم الحديثة (المودرن) والبساطة (المينيماليزم) التي تقلل التفاصيل المعقدة صعبة التنظيف، مقارنة بالتفاصيل الكلاسيكية. - التصميم المفتوح والمرن لتعزيز الراحة النفسية:
– تشجيع المخططات المفتوحة التي تزيل الحواجز غير الضرورية، مما يعزز تدفق الضوء والهواء ويخلق شعورًا بالاتساع.
– مرونة تسمح بتكييف المساحات مع احتياجات الأسرة المتغيرة، مما يقلل الإجهاد. - الاتصال بالطبيعة كمصدر للسكينة والعافية:
– دمج المساحات الخارجية (حدائق، أفنية، شرفات واسعة) مع المساحات الداخلية.
– توفير إطلالات على المناظر الطبيعية، لما له من أثر مثبت في تقليل التوتر وتحسين الصحة العقلية والجسدية. - جماليات البساطة والابتعاد عن الفوضى البصرية:
– التحول نحو جماليات مستمدة من الوظيفة والبساطة، بدلاً من الزخارف المفرطة.
– مساهمة البيئة الخالية من الفوضى البصرية في تقليل الإجهاد الذهني وتعزيز الهدوء والتركيز.
تأثير تصميم المباني على انتشار السل:
لم تكن مبادئ آلتو مجرد حدس فني، بل أكدتها الدراسات العلمية الحديثة التي تربط بين التصميم المعماري والصحة العامة، خاصة فيما يتعلق بالأمراض المعدية مثل السل، وتجلّى هذا التأثير في النقاط الأتية:
– تفاصيل تصميمية فارقة:
في فبراير 2020، بيّن بحثٌ أن مرضى السل غالبًا ما يأتون من مبانٍ بخصائص معينة. بكتيريا السل تفضل الأماكن الرطبة والمظلمة؛ لذا، ركزت الدراسة على الإضاءة الشمسية، سرعة الرياح، ومعدل تغير الهواء.
النتيجة: يقل المرض في الطوابق العليا المعرضة للشمس والتهوية الجيدة، ويزداد في الطوابق السفلية والشوارع الضيقة والمباني المكتظة. هذه التفاصيل التصميمية فارقة في انتشار المرض.
– نوع النوافذ:
النوافذ الجرارة (Sliding) تسمح بفتح يصل إلى النصف فقط، بينما النوافذ التقليدية (المفصلية) التي تفتح بالكامل تسمح بكمية هواء أكبر.
ارتفاع المباني وعرض الشوارع:
دراسة في هونغ كونغ (2013): وجدت أنه كلما ارتفع المبنى قلت احتمالية الإصابة.
دراسة في سويسرا (2016): أظهرت تحسن معدلات الإصابة مع تطور قوانين البناء التي تربط عرض الشارع بارتفاع المبنى (مثال: قانون البناء المصري الذي يحدد ارتفاع المبنى بمرة ونصف عرض الشارع بحد أقصى 36 مترًا).
– التصاميم الكلاسيكية مقابل الحديثة:
التفاصيل الكلاسيكية والزخارف يصعب تنظيفها، مما قد يوفر بيئة لتراكم الجراثيم.
التصاميم الحديثة و المينيماليست ، أسطحها الملساء وقلة تفاصيلها، أسهل تنظيفًا وأقل عرضة لاحتضان مسببات الأمراض.
إن رحلة التصميم المعماري من مصحة بايميو التي جردت العمارة من كل ما هو غير وظيفي لصالح الشفاء، إلى منازلنا الحديثة، هي شهادة على قدرة الفكر الإنساني على تحويل التحديات إلى فرص للابتكار.
لقد أثبت ألفار آلتو ومعاصروه أن المباني ليست مجرد هياكل جامدة، بل يمكن أن تكون شريكاً فاعلاً في تعزيز صحتنا ورفاهيتها. المبادئ التي ولدت من رحم الحاجة لمكافحة السل كالضوء الطبيعي، والهواء النقي، والنظافة، والبساطة، والاتصال بالطبيعة لم تعد ترفًا، بل ضرورات أساسية في تصميم أي مساحة نعيش ونعمل فيها.
اليوم، ونحن نواجه تحديات صحية وبيئية جديدة، تصبح هذه الدروس أكثر أهمية من أي وقت مضى. لقد تحولت “الزخرفة” الحقيقية في العمارة من النقوش والتفاصيل المعقدة إلى جودة الحياة التي يوفرها التصميم الذكي والمستدام الذي يضع الإنسان وصحته في جوهر اهتمامه.
المراجع:
فريق الإعداد:
إعداد: بيان مسلم (فرناندو)
نشر إلكتروني: رولان علي حسن
التدقيق العلمي: م.ليلى عمر عدرا
التدقيق اللغوي:م.ليلى عمر عدرا










